الإسلام سؤال و جواب

السبت، 21 أبريل، 2012

الشام وما أدراك الشام ( من يبيعني غضبا فأشتريه؟! )

إبراهيم بن محمد الحقيل
من يبيعني غضبا فأشتريه؟!



 يذكر أن الشاعر الجاهلي أبا ليلى المهلهل التغلبي لما قُتل أخوه وائل بن ربيعة جلس عند قبره يبكي، ويواصل ليله نهاره بالبكاء، وكان بنو قومه يلومونه -وهو الفارس القائد الشجاع- على اكتفائه بالبكاء عن الأخذ بثأر أخيه حتى يئسوا منه، وعيره بعضهم بأنه كالنساء يثأر بالعويل والبكاء، فما فاجأهم بعد يأسهم منه إلا وقد لبس لباس الحرب، وقد امتلأ غضبا على بكر يريد إفناءهم، ولا يتحدث بغير ذلك.
 ويذكر أن الحارث بن عباد وكان سيد بني يشكر من بكر اعتزل حرب بكر وتغلب التي كانت بسبب البسوس وسميت بها، فلما قتل أبو ليلى المهلهل ابنه بُجيرا في سفارة صلح بين الحيين بكى عليه، وقرض القصيد فيه، وكان كل ليلة يسمر على هضبة تطل على بيت أبي ليلى ينظر إليه ويبكي، فلما سئل عن ذلك، قال: أريد أن يمتلئ قلبي غضبا عليه حتى إذا حاربته لا يقف في وجهي شيء.
 إذن كان القائدان الجاهليان الشجاعان يستعدان لمواجهة العدو بملء القلب غضبا عليه؛ ولذا حقق كل منهما مراده، فالمهلهل نال من بكر بغيته، وأثخن فيهم ذبحا وإفناء، والحارث كسر بقومه أبا ليلى المهلهل وهزمه شر هزيمة.
 وذكر ابن الأثير في تاريخه أن الصليبيين صوروا عيسى ومحمدا عليهما السلام، وجعلوا محمدا يضرب عيسى حتى أسال دمه، وكانوا يطوفون على الشعوب الأوربية بهذه الصور يقولون: محمد نبي العرب يضرب نبينا يسوعا حتى أدماه، وأتباعه أخذوا القدس بلد المسيح ودنسوه، وذكر أن النصارى مع هذا الشحن امتلأت قلوبهم غضبا على المسلمين، وكان عندهم من الدوافع النفسية ما جعلهم يضحون بكل شيء لحرب المسلمين، حتى إن امرأة ليس لها إلا ولد واحد باعت منزلها وجهزت بماله ولدها فسار مع الصليبيين في حملاتهم، وأسره المسلمون فذكر لهم قصته.   
 قدمت بهذه المقدمة لهذه المقالة؛ لأننا في زمن يلقننا فيه أعداؤنا قيم السلام، وسماحة الإسلام، ويحذروننا من الانتقام، ويعلموننا كيف نرد أبشع صور العدوان بالصفح والسماحة والغفران، وليس لهم مراد من ذلك سوى تخديرنا وإسلام رقابنا وأعراضنا وديارنا لوكلائهم الجزارين.
 ولقننا أعداؤنا أن العداء في الدين خرافة عششت في عقول المتطرفين ولا حقيقة لها في الواقع، وعلمونا أن النظرة العقدية للأحداث السياسية هي نظرة ضيقة طائفية تتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، ومع صناعة السلام التي تضطلع بها الدول الغربية.
 وكل ما سبق يستقيه الليبراليون والتنويريون من أطروحات الغربيين والباطنيين ثم يقذفوننا به ناصحين ومحذرين ومنذرين من أي ضغينة على الأعداء، أو حقد عليهم، أو تفسير ما يجري تفسيرا دينيا، في الوقت الذي كنا نرى فيه رؤوس أهل السنة في العراق تخرق بالدريلات، وتقطع أطرافهم بالمناشير، ويُقذف الخباز منهم في فرنه وهو حي لمجرد أن اسمه عمر، ويحمل رافضي إلى عرس شاباً سنياً موثقاً ومرمياً في خلفية السيارة، فيسحب الرافضي هذا الشاب في العرس ويعتذر لصاحب العرس أنه لم يجد ما يقدمه معونة للمتزوج فجاء عوضا عن ذلك بهذا الكلب الناصبي ليذبحه في العرس، ثم أطلق رصاصة على رأس الشاب أردته مضرحا بدمائه، ورأينا في أفلام مصورة مبثوثة نساء أهل السنة متلففات في عباءات سوداء لا يرى من إحداهن شيء يسوقهن الرافضي الحاقد فيجلسهن جماعات موزعة، ويدير على رؤوسهن رصاص الرشاش فلا يغادر منهن واحدة، ونُقل إلينا أن بنات أهل السنة يَعرضهن الروافض على عباد الصليب ليتسلوا في غربتهم بأعراضهن. ورأينا الكثير والكثير من ذبح أهل السنة وتعذيبهم على أيدي من يجب علينا في العرف الغربي، والتلقينات الليبرالية والتنويرية أن نجعلهم إخواننا، وأن لا نصطف ضدهم وإلا كنا طائفيين. وكنت أسمع استغاثات الشيخ الدليمي باكيا يخبر أن أهل السنة ينحرون، ويصيح في إخوانهم لإنقاذهم، وتذهب استغاثاته أدراج الرياح، فلا الشعوب تقدر على شيء، والحكومات تتغافلها لمصلحة السياسة حتى يأتي دورهم في الرحى الباطنية التي نصبها الغرب لتسحقهم كما سحقت من قبل إخوانهم.
 ثم بعد العراق رأينا في الشام المباركة أضعاف ما رأينا في العراق ولا نزال نرى ذلك، وبالأمس فقط رأيت مقطعا لشبيح نصيري قد أوثق شابا، وتسلى في رأسه بمنشار كهربائي حتى جز به رقبته وكتفيه، ورأيت رجالا يوطئون بالأقدام، وتهشهم رؤوسهم بأعقاب الرشاشات، وهم ينزفون حتى الموت، ورأيت أطفالا قطعوا أوصالا، ورأيت غلمانا مثل بوجوههم أحياءً وأمواتا، ورأيت شبابا يذبحون بالسكاكين كما تذبح الأنعام،  وحدثني من قابل اللاجئين السوريين في الأردن وتركيا أهوالا فعلها بهم النصيريون والرافضة المساندون لهم، ومما حُدثت به أن امرأة أخذوها من منزلها في غياب زوجها، فجن جنون الزوج، وبحث عنها في كل مكان يتوقعه، واتصل بمن يعرف في الأمن النصيري حتى عثر عليها في بعض مراكزهم عن طريق الاتصال بضابط المركز الذي اشترط مبلغا كبيرا من المال ليطلق له زوجته، فوعد الزوج الضابط بتدبير ما أراد من مبلغ ببيع بيته، ولكنه طلب منه أن يكلم زوجته ليتأكد أنها موجودة عندهم حتى يبيع البيت، فكلمته الزوجة وهي منهارة، وقالت لزوجها: لا تدفع لهم شيئا أبدا؛ فإني لم أعد أصلح زوجة لك، ولا أمّاً لأولادي، فأُودعك الآن وودع أولادي نيابة عني، فلقد تناوب على اغتصابي عشرون من هذه الوحوش، وأنا أتجرع غصص الذل والهوان والألم، ولا وجه لي للقائك ولقاء أولادي، وأتمنى الموت العاجل، ولو قدر لي حياة فلن تراني ولن يراني أولادي بعد اليوم، لكن إن شاء الله تعالى أموت بسرعة، حسبنا الله حسبنا الله حسبنا الله لما وصل إليه حالنا، ثم أقفلت الهاتف وهي تبكي...     
 وقرأت (القوقعة) و (مأساة حماة) و (من تدمر إلى هارفرد) وما أنتهي من واحدة من هذه الروايات والتقييد لما حصل من مآسي أهل السنة على أيدي الباطنيين إلا أمكث أياما يذرعني القيء ولا أستقي من هول ما قرأت وما علمت وما رأيت.
 دعوني أيها القراء العاجزون مثلي أن أقدم لكم اقتراحا استفدته من قصص العرب التي قدمت بها المقالة حتى لا تغيب مآسي إخواننا عن مآقينا، فنعيشها كل لحظة، ونحس بهم في كل لحظة، ونتألم لهم في كل لحظة، وندعو لهم في كل سجدة، وتتغير نفوسنا لأجل مصابهم؛ فلعل الله تعالى أن ينجينا بمثل هذا الشعور والإحساس من ذنب خذلاننا لهم؛ ولنكون في هذا الجزء المعافى من بدن أمتنا متألمين لألم إخواننا، كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
 هذا المقترح هو أن نملأ قلوبنا غضبا على أعدائنا الباطنيين، ونغذي هذا الغضب يوما بعد يوم بكل فعل فعلوه بإخواننا؛ وذلك بمشاهدة ما ينقل إلينا من مقاطع مصورة مهما كانت بشعة، وقراءة ما تقع عليه أيدينا من قصص وروايات وأخبار كتبها الناجون من المحرقة الباطنية لأهل السنة؛ فإننا نحتاج إلى شحن نفسي غضبي هائل حتى إذا انفجر في مواجهة الباطنيين أثخنا فيهم، وثأرنا لديننا ولأمتنا المستباحة؛ فإن المواجهة العامة مع الباطنيين تكاد تكون قدرا محتوما، وواقعا أكيدا لا مفر منه، والغرب يطبخها على نار هادئة، والباطنيون لن يتراجعوا عن مشروعاتهم وهم يرون الغرب يمكن لهم في بلاد المسلمين، وليقل الغرب والليبراليون والتنويريون: إننا طائفيون؛ فإن هذا الوصف التخديري لم يُنج من تحرز منه من أهل العراق والشام لما دارت رحى الباطنية تطحنهم.
 حدثني طبيب شامي فاضل أن من دخلوا الشام من فيلق بدر، وجيش المهدي، وحزب الله في لبنان، وجيش القدس في إيران، أشد عنفا في التعاطي مع السوريين، وأكثر حقدا من النصيريين، ويفعلون من تعذيب أهل السنة، واغتصاب نسائهم وأطفالهم، والتلذذ بصياحهم وصراخهم ما يعجز عن فعله النصيري.
 وحدثني آخر أن النصيري يقبل أن يغتصب الفتاة متوارية عن أهلها، أما الرافضي فلا يهنأ باغتصاب البنت إلا أمام والديها وإخوتها، ولا باغتصاب الزوجة إلا أمام زوجها وأولادها، وحدثني أن جمعا من الرافضة دخلوا بيت أسرة فأمر قائدهم الزوجة أن تتعرى أمام زوجها وأولادها ليغتصبها أمامهم، فأكبت الزوجة المسكينة على حذائه تقبله وتلثمه بفمها متوسلة إليه راجية أن يتوارى بها في غرفة أخرى، وأنها مقابل ذلك ستمتعه أكثر من لو أنه اغتصبها أمام زوجها وأولادها، فرفض الكلب ذلك؛ لأنه في واقع الأمر لا يريد المتعة، وإنما يريد تحطيم أتباع الصحابة رضي الله عنهم بالذل والإهانة.
 أيها القراء المكلومون في إخوانكم: هل تعلمون لم كان الرافضي الإمامي أشد ضراوة على أهل السنة من النصيري؟ ولم كان أكثر تفننا في اختراع سبل الانتقام من أهل السنة؟!
 إنه الغضب الذي غُذي به منذ ولد، وهو يسمع النوح على الحسين رضي الله عنه، ويترنم بالمراثي، ويرى في عاشوراء شعائر التغبير والتطبير، وإسالة الدماء من الرؤوس، والضرب بالسلاسل، واختراع القصص في معاناة آل البيت، والبكائيات في ظلم الشيعة بيد النواصب أهل السنة، فكان الرافضي إذا تمكن من السني تفنن في الانتقام منه، لأن قلبه مملوء بالغضب والحقد عليه بينما أهل السنة يُخدرون بشعارات الأخوة والإنسانية، ويخوفون من الطائفية.
  أيها القراء الكرام من أهل السنة: كأني أراكم تكفكفون دموعكم من بعض ما علمتم، فإني أعزم عليكم أن تعيشوا مع مآسي إخوانكم بقراءة كل ما يصل إليكم عنهم، وأن لا يكون طول وقت المأساة صارفا لكم عنها، ولا مخففا من آلامها؛ فإن إخوانكم يُذبحون في كل لحظة، وتغتصب نساؤهم في كل لحظة، ويعذب أطفالهم في كل لحظة، وفي كل لحظة قصص جديدة لمآسٍ أليمة.
 وأعزم عليكم يا أهل الشام، ومن لهم بهم صلة، ومن يعملون في مخيمات اللاجئين: أن تنقلوا إلينا آلاف القصص المأساوية التي حضرها الناجون وشاهدوها؛ لتحفظ في ذاكرة الأمة وتاريخها عن أفعال الباطنيين، ومعاملتهم لأهل السنة.. اكتبوا كل شيء وانشروه، ولا تحتقروا قصة أو خبرا مهما كان صغيرا؛ فإن هذا الحادث الجلل إذا انتهى نسي الناس ما حصل فيه، ولم يبق منه إلا ما تم تدوينه وتوثيقه.
 ولولا تدوينات المؤرخين الصليبيين: فوشيه الشارتري، وريموند الأجيولري، ووليم الصوري، والفارس المجهول، وكتابتهم أوصافا تفصيلية لما فعله الصليبيون بالمسلمين في بيت المقدس على وجه التباهي والمفاخرة لما عرفنا جرائمهم؛ ولما عير العالم بها الغرب إلى يومنا هذا؛ ولما كانت حجةُ المسلمين على الغربيين في هذا الشأن قوية؛ فإن الأمم يغزو بعضها بعضا، ولا يمثل ذلك عارا، لكن الأوصاف التفصيلية التي فعلها الصليبيون بالمسلمين وأطفالهم ونسائهم أحلت اللعنة بالكاثوليك إلى يومنا هذا، حتى إن الأرثوذكس والبروتستانت يعيرونهم بما فعلوا في أنطاكية وبيت المقدس.
 ولولا توثيق الفرنسي اليهودي امنون كابليوك مذبحة صبرا وشاتيلا عبر مشاهداته، وسماعه أقوال الشهود ممن نجوا من المذبحة من الفلسطينيين واللبنانيين، وهو ممن دخلوا المخيم فور المذبحة، ووثق ذلك في كتابه (تحقيق في مجزرة).. لولا توثيقه لما علمنا عن القصص المروعة التي فعلتها الكتائب اللبنانية النصرانية وحزب أمل الباطني بحماية ومعونة الجيش الإسرائيلي والجيش السوري.
 وتوثيق جرائم الباطنيين سهلة الآن مع وسائل الاتصال الحديثة، وتنوعها وسرعة تناقلها بالهواتف الذكية والبريد الألكتروني وغيرها، وهي وسائل فعالة لملئ قلوب المسلمين غضبا على الباطنيين، وتعاهد هذا الغضب بالقصص المتكررة؛ كيلا تخبو ناره، أو تبرد حرارته،ولو كان الغضب على الباطنيين في زمننا يشترى بمال لوجب على المسلمين أن يشتروه.
السبت 29/5/1433

الثلاثاء، 17 أبريل، 2012

الإرهاب


تعريف الإرهاب ، وحقيقته في الإسلام ، وعند الغرب

سمعنا كثيراً عن الإرهاب ، فما هو الإرهاب في نظر المسلم ؟ ، وما هو الإرهاب لدى الغرب ؟ وكيف نرد عليهم إن اختلفنا معهم ؟ 

الحمد لله أولاً:" الإرهاب " مصدر ، أرهبَ ، يُرْهِب ، إرهاباً ، وهي لفظة تعني : التخويف ، وهي في ذاتها ليست محمودة ، ولا مذمومة ، إلا أن يُعلم معناها عند قائلها ، وإلا أن ينظر في آثارها ، ومن قال إن الإرهاب في الإسلام هو رديف القتل : فهو مخطئ ؛ لأن اللفظة لا تساعد على هذا المعنى ، فالإرهاب هو التخويف وليس القتل ، وقد أمرَنا ربنا تعالى أن نَرْهَبه ، أي : نَخافه ، كما في قوله تعالى : ( وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ ) البقرة/40 ، كما أمرنا بالاستعداد للعدو الذي يتوقع منه الكيد والحرب ، وهذا الاستعداد هو لإرهابه حتى لا نكون لقمة سائغة له ، وقد جاء ذلك موضحاً في قوله تعالى : ( وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ ) الأنفال/ من الآية 60 . وقد أطلقت الدول المستعمرة الآثمة هذه اللفظة على الإسلام ، وأرادت تشويه صورته في نظر عامة الناس ، فأقيمت لذلك المؤتمرات ، وعقدت الندوات ، وأنشئت الأقسام باسم مكافحة الإرهاب ، ولم يكن في ذلك كله تعرض لتلك الدول المستعمرة المجرمة ، الجاثمة على صدور الضعفاء من المسلمين ، كالهندوس في إرهابهم المسلمين في كشمير ، والروس في إرهابهم للمسلمين في الشيشان ، والأمريكان في إرهابهم للمسلمين في العراق وأفغانستان ، واليهود في إرهابهم للمسلمين في فلسطين ، وراح السذَّج من المسلمين يطلقون هذا اللفظ على كل من يحلو لهم محاربته ، وتنفير الناس منه ، وقد يكونون مصيبين في الحكم على طائفة منهم ، أو مجموعة ، لكن ما بال تلك الدول الإرهابية ، وتلك المنظمات العنصرية المجرمة قد نجت من الوصف بهذا اللفظ ، وجُعل حكراً على المسلمين ؟! .
وتشريعات الإسلام الربانية فيها ما يحافظ على عرض المسلم ، ودمه ، وماله ، ومن أجل ذلك كان تحريم القتل ، والسرقة ، والزنا ، والقذف ، وجعلت الحدود المغلظة على من ارتكب تلك المحرمات ، وقد يصل الأمر للقتل – كالزاني المحصن – حفاظاً على أعراض الناس . وقد جاءت العقوبة مغلظة لمن أرهب الناس وأخافهم ، مثل عصابات قطَّاع الطرق ، ومن يفعل مثل فعلهم داخل المدينة ، وهؤلاء هم الذين يسعون في الأرض فساداً ، وقد حكم الله عليهم بأشد العقوبات كفّاً لشرهم ، وحفظاً لأموال الناس ودمائهم وأعراضهم ، قال تعالى : ( إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَاداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) المائدة/ 33 .
وأبلغ من ذلك : أن الإسلام حرَّم على المسلم إخافة أخيه ، ولو مازحاً ، فعن السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رضي الله عنه أنَّه سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : ( لاَ يَأْخُذَنَّ أَحَدُكُمْ مَتَاعَ أَخِيهِ لاَعِبًا وَلاَ جَادًّا ، فَمَنْ أَخَذَ عَصَا أَخِيهِ فَلْيَرُدَّهَا إِلَيْهِ ) رواه الترمذي ( 2160 ) وأبو داود ( 5003 ) ، وحسَّنه الألباني في " صحيح الترمذي " .
وعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ : حَدَّثَنَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسِيرُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ ، فَنَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ ، فَانْطَلَقَ بَعْضُهُمْ إِلَى نبْلٍ مَعَهُ ، فَأَخَذَهَا ، فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ الرَّجُلُ فَزِعَ ، فَضَحِكَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ : مَا يُضْحِكُكُمْ ؟ ، فَقَالُوا : لا ، إلا أَنَّا أَخَذْنَا نبْلَ هَذَا فَفَزِعَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا ) رواه أحمد ( 23064 ) - واللفظ له - وأبو داود ( 4351 ) ، وصححه الألباني في " صحيح أبي داود " .
ثانياً:
الإرهاب في الإسلام نوعان :
1. ممدوح : وهو تخويف العدو خشية اعتدائه على المسلمين ، واحتلال ديارهم ، ويكون ذلك بالاستعداد الكامل بالتسلح بالإيمان ، والوحدة ، والسلاح ، وقد سبق في آية الأنفال ما يوضح أنه واجب على المسلمين . والإسلام ليس بدعاً في هذا الأمر ، فها هي الدول تتسابق في الصناعات العسكرية ، وفي التسلح بالأسلحة التدميرية ، وبإنشاء الجيوش الجرارة ، وبعمل الاستعراضات العسكرية لجنودها وأسلحتها ، وكل ذلك من أجل إظهار قوتها ؛ لإخافة جيرانها ، وأعدائها ، من أن تسول لهم أنفسهم الاعتداء عليها . 2. مذموم : وهو تخويف من لا يستحق التخويف ، من المسلمين ، ومن غيرهم من أصحاب الدماء المعصومة ، كالمعاهدين ، والمستأمنين ، وأهل الذمة .
وقد عرَّف " المجمع الفقهي الإسلامي " الإرهاب بأنه : " العدوان الذي يمارسه أفراد ، أو جماعات ، أو دول ، بغياً على الإنسان ( دينه ، ودمه ، وعقله ، وماله ، وعرضه ) ، ويشمل صنوف التخويف ، والأذى ، والتهديد ، والقتل بغير حق ، وما يتصل بصور الحرابة ، وإخافة السبيل ، وقطع الطريق ، وكل فعل من أفعال العنف ، أو التهديد ، يقع تنفيذاً لمشروع إجرامي ، فردي ، أو جماعي ، يهدف إلى إلقاء الرعب بين الناس ، أو ترويعهم بإيذائهم ، أو تعريض حياتهم ، أو حريتهم ، أو أمنهم ، أو أحوالهم ، للخطر ، ومن صنوفه : إلحاق الضرر بالبيئة ، أو بأحد المرافق ، والأملاك العامة ، أو الخاصة ، أو تعريض أحد الموارد الوطنية ، أو الطبيعية ، للخطر ، فكل هذا من صور الفساد في الأرض ، التي نهى الله سبحانه وتعالى المسلمين عنها في قوله ( ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين ) القصص/ 77  " انتهى .
" الدورة السادسة عشر " بمكة المكرمة ، من 21 إلى 26 / 10 / 1422هـ ، الذي يوافقه من 5 إلى 10 / 1 / 2002 م . وجاء في البيان التنبيه إلى أمرين مهمين :
الأول : الرد على من وصف الإسلام بأنه دين إرهاب فمما جاء فيه :
"وقد لحظ أعضاء " المجمع " أن الحملات الإعلامية مدبرة ، وهي تنطوي على أباطيل ، وترهات ، تنطلق من إعلام موتور ، معادٍ ، تسهم في توجيهه مؤسسات الإعلام الصهيوني ؛ لتثير الضغائن ، والكراهية ، والتمييز ، ضد الإسلام والمسلمين ، وتلصق بدين الله الخاتم التهم الباطلة ، وفي مقدمتها تهمة " الإرهاب " .
واتضح لأعضاء " المجمع " أن لصق تهمة الإرهاب بالإسلام عبر حملات إعلامية إنما هو محاولة لتنفير الناس من الإسلام ، حيث يقبلون عليه ، ويدخلون في دين الله أفواجاً .
ودعا أعضاء " المجمع " رابطة العالم الإسلامي ، وغيرها من المنظمات الإسلامية ، وكذلك عامة المسلمين إلى الدفاع عن الإسلام ، مع مراعاة شرف الوسيلة التي تتناسب ، وشرف هذه المهمة" .وبينوا في سياق ردهم على الافتراء على الإسلام ، ولصق تهمة الإرهاب به : "أن الإرهاب ظاهرة عالمية ، لا ينسب لدين ، ولا يختص بقوم ، وهو سلوك ناتج عن التطرف الذي لا يكاد يخلو منه مجتمع من المجتمعات المعاصرة ، وأوضحوا أن التطرف يتنوع بين تطرف سياسي ، وتطرف فكري ، وتطرف ديني ، ولا يقتصر التطرف الناتج عن الغلو في الدين على أتباع دين معين ، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى غلو أهل الكتاب في دينهم ، ونهاهم عنه ، فقال في كتابه الكريم : ( قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل ) المائدة/ 77 " .
انتهى
والثاني : ذِكرهم أن من الإرهاب إرهاب الدول ، والذي سكتت عنه وسائل الإعلام العالمية ، ولم تفضح أهله ، ومما جاء في البيان :
"ويؤكد المجمع أن من أنواع الإرهاب : إرهاب الدولة ، ومن أوضح صوره ، وأشدها شناعة : الإرهاب الذي يمارسه اليهود في فلسطين ، وما مارسه " الصرب " في كلٍّ من البوسنة ، والهرسك ، وكوسوفا ، واعتبر " المجمع " أن هذا النوع من الإرهاب : من أشد أنواعه خطراً على الأمن ، والسلام في العالم ، واعتبر مواجهته من قبيل الدفاع عن النفس ، والجهاد في سبيل الله" .
انتهى
ثالثاً:
أما الإرهاب عند الغرب : فهو ما نقرؤه ، ونشاهده ، من احتلالهم للدول الضعيفة ، ونهبهم لخيراتها ، وما نراه من التعذيب ، والاغتصاب ، والقتل ، وكل ذلك موثق بالصوت والصورة ، في وثائق لا يمكن إنكارها ، وهو استمرار لتاريخهم القديم في احتلال الدول بالقوة ، والبطش ، والسلاح .
والعجيب حقّاً : أن الدول الغربية – وخاصة أمريكا – لم يضعوا إلى الآن تعريفاً للإرهاب ! وواضح أنهم سيدينون أنفسهم بأي تعريف يختارونه ، ولذلك جعلوا اللفظة مبهمة المعنى ، فتنصرف إلى من يريدون إلصام التهمة به.
قال الشيخ صالح الفوزان – حفظه الله - :
"الكفار من قديم يحاربون الإسلام ، ويصفونه بأقبح الصفات ؛ تنفيراً منه ، ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ ) التوبة/ 32 ، ومن ذلك : وصفهم له بالإرهاب ، والوحشية ، وينسون أن الإرهاب ، والوحشية ، وقتل الشعوب ، والتسلط على الخلق بغير الحق ، وكل صفات الذم : إنما هي في دين الكفر ، ومن صفات الكفار .
وكون بعض المنتسبين إلى الإسلام تصدر منهم بعض التصرفات الخاطئة - إما عن جهل أو عن قصد سيئ - : فإن ذلك لا ينسب إلى الإسلام ؛ لأن الإسلام ينهى عن ذلك .
وطريق الخلاص من هذا الاتهام السيئ للإسلام : أن يُبَيَّن أن فعل هؤلاء الأشخاص ليس من الإسلام ، وإنما هو تصرف شخصي ، وأن كل مسلم فهو عرضة للخطأ ، وليس هناك معصوم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم" .
" المنتقى من فتاوى الفوزان " ( 1 / 416 ، السؤال رقم 247 ) .
والله الموفق.

منقول كما هو من هذه الصفحة :
 http://islamqa.info/ar/ref/117724